محمد بن عبد الملك الديلمي

14

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية

يقول لي : « لا تلتفت إلى هؤلاء الفقهاء المنكرين ، ولا تسألهم إلا في مسائل الفقه ، فكلهم أرضيون ما فيهم سماوي ، ثم عليك برسالة القشيري وحقائق السلمي ومنهاج العابدين ؛ ففيها ما تطلبه ، وخذ الطريق عن أربابه ، مثل محمد بن واسع ، وسفيان الثوري ، ومالك بن دينار ، والجنيد ، وشقيق ، وإبراهيم ، والفضيل ، وغيرهم » . فاستخرت اللّه في ذاك واستعنته ، وعالجت منه ما قدر حتى فتح اللّه لي بما هو حظي منه . وقال السراج الطوسي : إن الجنيد البغدادي مع كثرة علمه وتبحره وفهمه ومواظبته على الأوراد والعبادات وفضله على أهل زمانه بالعلم والدين ، فكم من مرة طلب وأخذ وشهدوا عليه بالكفر والزندقة ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وقال التادلي حينما ترجم له في كتاب المعزى : وهذا الإمام ممن اتفق على جلالته المتقدمون والمتأخرون وله كرامات وآيات أضربنا عنها اختصارا إذ الجبل لا يحتاج إلى مرساة . المزين بفنون العلم ، المتوشح بجلابيب التقوى والحلم ، المنور بخالص الإيقان ، المؤيد ، العالم بمودع الكتاب ، العامل بمحكم الخطاب ، الموفق فيه للبيان والصواب . كان كلامه بالنص مربوطا ، وبيانه بالأدلة مبسوطا . رزق من القبول وصواب القول ما لم يقع لغيره ، بحيث كان إذا مر بشارع بغداد وقف الناس له صفوفا كالملوك . ولم ير في عصره من اجتمع له علم ومال غيره . وكنت إذا رأيت علمه رجحته على ماله وعكسه ، وناهيك بجعلهم من العقائد الدينية والأصول الإسلامية أن نعتقد أن طريقه وصحبه طريق مقوم . وقال ابن عربي في الفتوحات : هو سيد هذه الطائفة . وكان من الفقهاء المعتقدين الشافعية ، تفقه على أبي ثور وكان يفتي بحضرته وهو ابن عشرين سنة ، ولم تزل أعناق الفريقين له خاضعين ، وعلى تبجيله مجتمعين في كل عصر وحين . وقد نقل شيخ الشافعية في الروضة عنه : قبيل الصيام ، فإن أخذ المحتاج من صدقة التطوع أفضل من أخذه من الزكاة . أخذ التصوف عن خاله السري وحارث المحاسبي الذي قال : نعم ، خذ من علمه